ابن خلكان

144

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

[ وعول عليه في آخر مدته في أشراف ديوانه ] « 1 » وزاد ماله ، ولم يظهر منه في أيام أتابك زنكي كرم ولا جود ولا تظاهر بموجود ، فلما قتل على قلعة جعبر - كما تقدم في ترجمته - أراد بعض العسكر قتل الوزير المذكور ونهب ماله ، فتعرضوا له ورموا خيمته بالنشاب ، فحماه جماعة من الأمراء ، وتوجه بالعسكر إلى الموصل ، فرتبه سيف الدين غازي بن أتابك زنكي - المقدم ذكره - في وزارته ، وفوض الأمور وتدبير أحوال الدولة إليه وإلى زين الدين علي بن بكتكين والد مظفر الدين صاحب إربل - وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة ولده في حرف الكاف - فظهر حينئذ جود الوزير المذكور وانبسطت يده ، ولم يزل يعطي ويبذل الأموال ويبالغ في الإنفاق حتى عرف بالجواد ، وصار ذلك كالعلم عليه ، حتى لا يقال له إلا « جمال الدين الجواد » . ومدحه جماعة من الشعراء ، من جملتهم محمد بن نصر بن صغير القيسراني الشاعر - المقدم ذكره - فإنه قصده بقصيدته المشهورة التي أولها : سقى اللّه بالزوراء من جانب الغربي * مها وردت عين الحياة من القلب وهي من القصائد الطنانة . وأثر آثارا جميلة ، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم من مكان بعيد ، وعمل الدرج من أسفل الجبل إلى أعلاه ، وبنى سور مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وما كان خرب من مسجده ، وكان يحمل في كل سنة إلى مكة شرفها اللّه تعالى والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام من الأموال والكسوات للفقراء والمنقطعين ما يقوم بهم مدة سنة كاملة ، وكان له ديوان مرتب باسم أرباب الرسوم والقصاد لا غير ، ولقد تنوع في فعل الخير حتى جاء في زمنه بالموصل غلاء مفرط فواسى الناس حتى لم يبق له شيء ، وكان إقطاعه عشر مغلّ البلاد على جاري عادة وزراء الدولة السلجوقية ، فأخبر بعض وكلائه أنه دخل عليه يوما فناوله بقياره ، وقال له : بع هذا واصرف ثمنه إلى المحاويج ، فقال له الوكيل : إنه لم يبق عندك سوى هذا البقيار والذي على رأسك ، وإذا بعت

--> ( 1 ) لم يرد في ر ن ق ، وورد في بر من .